الاثنين، 22 فبراير 2010

३२ يوم في السجن



السجن تجربة مثيرة وهى أيضا تجربة مفيدة بشرط ان تكون قصيرة وألا تطول أكثر من اللازم، والحقيقة ان السجن مثل المرض أو الموت يقع قهرا وتسيره الأقدار وليس لأحد يد فى أن يتعرض لهذه التجربة أو يتجنبها ، لكن بالتأكيد من يقدم على ارتكاب جريمة أو مخالفة للقانون يكون فى ذهنه
بأنه يخاطر بأن يتعرض للسجن
و القرآن الكريم في قصة سيدنا يوسف نبي الله يضرب مثلا أكيداً
على ان السجن قد يضم بين جدرانه مظاليم بل وصالحين ايضا

وكما يقول المثل المصرى ˜ياما فى السجن مظاليم
وقد السجن يكون فى بعض الحالات بداية للتمكين فى الأرض مثل الذى حدث مع النبى يوسف عليه السلام عندما دخل عبداً رقيقا مملوكاً وخرج منه أميناً على خزائن الأرض ثم تزوج عليه السلام المرأة التى كانت سبباً فى سجنه
وكما حدث مع المؤيد شيخ السلطان المملوكي الشهيرومع كثير من زعماء العالم مثل نلسون مانديلا وانور السادات
وفى ليلة تلقيت مكالمة هاتفية بأن نيابة أمن الدولة تطلبنى للتحقيق وكان ذلك فى صيف
بداية تفجر قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون، وفى صباح اليوم التالى كنت فى النيابة وفى الليلة نفسها وجدت نفسي سجيناً على ذمة قضية مركز ابن خلدون الشهيرة وهي التجربة المفيدة التى مررت بها في وقت مناسب جدا وما يجب ان يسجل هى ان تجربة السجن كلما مرت عليها السنوات كلما نضجت بل أنى ازعم ان نزلاء السجون السابقين هم اشخاص أكثر حكمة وقدرة على تعقل الأمور إن لم تكن تجربة س جنهم على خلفية إجرامية وكانت لسبب عابر من الاسباب التى لا يمكن حصرها فى الدول التى تفتقر لمعايير إنسانية للعدالة
الليلة والنهار الأول لى فى السجن كانت أطول ليلة ونهار يمران على فى حياتى، وهى الليلة والنهار اللذين قضيتهما فى زنزانة الحبس الانفرادى عوضا عن زنزانة الاستقبال الذى يرد إليها النزلاء الجدد
وفى السجون المصرية
أصناف من الزنازين الرهيبة التى يكفى ترديد اسمها بين السجناء لقمع أى نية تمرد يفكر فيه أحدهم، الزنزانة الأولى هى زنزانة التأديب، ولا تزال اللافتة المعلقة على بابها حتى الآن مكتوبة باللغة التركية وبحروف عربية بعبارة ˜عنبر تأديب عقابى
والزنزانة الثانية تعرف باسم الثلاجة والثالثة هى زنزانة الحبس الانفرادى، والأخيرة تشبه القبر وهي عبارة عن غرفة لايزيد عرضها عن متر واحد وطولها عن مترين وسبعين سنتميترا تقريبا يعلوها قرب السقف فتحة تدخل سموم الشتاء ولهيب الصيف وأسفل بابها فتحة شديدة تشبه العين السحرية فتحتها من الخارج لتشعر السجين على الدوام انه مراقب وانه محروم من الخصوصية وان فى وسع السجان انتهاك حر مته الشخصية فى أى وقت طالما كان قابعاً فى هذه الزنزانة
أما الثلاجة فهى زنزانة جميع ارضيتها وجدرانها من القيشان الصحى ويترك فيها السجين تحت الطلب إما فى انتظار زيارة أو بدون سبب فقط ليشعر بالاستلاب؟ وبأنه لاقيمة له حتى ولو لم يرتكب خطأ من أى نوع
واطلق عليها السجناء اسم الثلاجة لان السجين فيها يكون يشعر انه مثل الاشياء التي تحفظ عن طريق التجميد بدون فرصة ليتحرك لا مكان حتي ولا لينام او يجلس على فراش من اي نوع
والوقت فى الزنزانة الانفرادية لا يمر تقريبا، وللوهلة الأولى شعرت انى ميت لامحالة فى هذه الزنزانة خاصة وان كل مافيها يوحى بالعدم لا فرش سوى بطانية قديمة مفردة والمياه يتم التحكم فيها مركزياً ولا تفتح فى الزنازين إلا أوقات محدودة خلال النهار
وفى الزنزانة الانفرادية لا تملك إلا خيارين الأول أن تصبر وتحاول شغل نفسك بأى شىء حتى ولو بسيط والثانى أن تفقد عقلك، والساعة الأولى لى في الزنزانة الانفرادية مرت بصعوبة بالغة، أما الساعة ا لثانية فلم تمر لأنى فقدت وعى من فرط شعورى بالصدمة والضياع لاصحو فى اليوم التالى على أشعة شمس شهر يوليو التى اقتحمت على الزنزانة من النافذة أعلى الحائط، وأشعر بالج وع فأجد سجيناً يقوم بمهام توزيع الطعام على الزنازين فمرر لى من الفتحة المستطيلة أسفل باب الزنزانة علبة حلاوة صغيرة وبيضتين اثنتين، وقبل ان أمسك بهما نبهنى الرجل إلى أن البيض نيئ فسألته فى دهشة ماذا افعل به وتبعت السؤال بعبارة ساخرة قائلا
هل أنا دجاج أجلس عليه مثلاً فيفقس كتاكيت؟ فعاجلنى الرجل بإجابة أكثر الظن انها كانت جاهزة بأن طلب منى أن ابادله البيض بسجائر، البيضة تساوى سيجارة وأحدة، وعندما قلت له أنى لا أدخن أخذ البيض بدون مقابل وهو الدرس الأول الذى تعلمته فى الزنزانة الانفرادية وهى آن السجائر هى العملة الصعبة المعترف بها فى السجون بدلاً من النقود

وفى الزنزانة الانفرادية اسعفتنى الذاكرة بفيلم أمريكى عن مسجون قضى عشرات السنين فى الحبس الانفرادى ولم يكن فى وسعه التواصل مع أى كائن حى سوى عنكبوت عقد معه صداقة طويلة وكان يسمح للسجين الأمريكى بساعة فقط كل عام اكرر كل عام يتريض فيها
ثم يعود للزنزانة الانفرادية ليعيش مع العنكبوت ، وعندما كنت اشاهد الفيلم
كل يوم
تفاصيل الفيلم تواردت على خاطرى فأصبت برعب من أن القى مصير السجين الأمريكى خاصة وان ذاكرتى مليئة بقصص عن اناس منسيون فى السجون العربية من المحيط الهادى إلى الخليج الثائر تلفت حولى فوجدت عبارات مكتوبة على الحوائط بعضها بأثار دماء منها مسجون يخاطب والدته قائلاً
" أمى جعلوا السلام عليكى حراماً"
اصابنى غم شديد لكن قلت لنفسى طالما ان هناك من دخل هذه الزنزانة وخرج حتى ولو إلى القبر فسأخرج أنا الآخر...
وللحديث بقية
moghtar@hotmail.com هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق